العراق من الترييف إلى العشائرية!

إلغاء طبقة العمال وتحويلها بجرة قلم إلى موظفين
النسخة المصغرة

كفاح محمود كريم

نجح نظام حزب البعث في ترييف معظم المدن العراقية وفشل في تمدين أي قرية من قراها طيلة ما يقرب من أربعين عاما من حكمه، الذي تفاوت بين التوجه الاشتراكي على طريقته الخاصة بإلغاء طبقة العمال وتحويلها بجرة قلم إلى موظفين، ونقل مئات الآلاف من الأرياف إلى المدن، خاصة شرائح الأميين وأنصاف المتعلمين كعناصر في الجيش والأمن والمخابرات والشرطة والجيش الشعبي وبقية أجهزته الخاصة، وتوطينهم في مراكز المدن بتسهيلات كبيرة، وتحويلهم إلى أدوات طيعة لتنفيذ برامجه السياسية، وبين تحوله الكلي إلى النمط الديني بإعلانه الحملة الوطنية الإيمانية التي فرضت تعليمات وتفسيرات دينية مشوشة، والاتكاء على رجال الدين تارة وعلى شيوخ العشائر تارة أخرى، أولئك الشيوخ الذين افتتح لهم دائرة خاصة في ديوان الرئاسة، مقسما إياهم إلى ثلاث موديلات أو درجات.

وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة الهيكل الإداري لنظام الدكتاتور صدام حسين في نيسان 2003 جاء النظام البديل الذي افترض معظم العراقيين بأنه سينتهج أسلوبا مغايرا ونظاما أكثر عدالة وتطورا، مكملا لذات النهج في إحداث تغييرات كارثية على المجتمعات العراقية وثقافاتها، فقد أصبحت معظم مدن العراق وحواضره التاريخية مجرد قرى كبيرة انتعشت فيها العادات والتقاليد القروية، وتعملقت البداوة في السلوك والممارسات التي قزمت دور القانون وهمشته إلى درجة إحلال نظامها وتقاليدها بدلا عنه في كثير من القضايا، بل إن قوانين العشيرة وأعرافها غدت هي سائدة تساندها مجاميع من المعممين ورجال الدين المسيسين الذين يفرضون إتاواتهم وقوانينهم وتفسيراتهم الخاصة للهيمنة على الأهالي، الذين يعانون من فقر مدقع وصل في آخر إحصائياته إلى ما يقرب من 40%، وأمية استشرت في نصف السكان المنتج تقريبا وبطالة خطيرة حولت غالبية الشبيبة في سن الإنتاج إلى الالتحاق بالميليشيات والمجاميع المسلحة سواء تحت غطاء الدولة أو التي تعمل لحساب شخصيات أو قوى أجنبية.

والمراقب لحركة المدن العراقية سواء كانت مراكز محافظات أم مراكز أقضية، يدرك بسرعة إننا إزاء مشكلة عويصة جدا، خاصة بعد أن فقد كثير من المدن خصوصيته المدنية وهويته الحضارية لحساب هويات جديدة مزينة بأنماط غريبة من السلوك والثقافات، دفعت سكانها ونخبها الاجتماعية والسياسية تحت ضغط هائل من النظام المذهبي والعشائري بامتياز إلى الانغماس بهذه الثقافات تحت طائلة الفقر والبطالة والسوط العقائدي، بحيث لم تعد ترى ما يشعرك كمراقب أوباحث في العراق خارج إقليم كوردستان بان حركة الحياة تتقدم إلى الأمام، بل على العكس تماما حيث يسودك شعور بالتقهقر إلى الوراء، وأنت تشهد مظاهر دينية متطرفة ومتشددة، وسلوكيات قروية وبدوية بدأت طاغية على مظاهر المدنية والمدينية.

حقيقة ما حصل يبدو كارثة اجتماعية وتربوية خطيرة جدا لا يمكن إصلاحها بوقت قصير، بعد أن استخدم الدين في تأصيل تلك المظاهر بدعم مطلق من العقلية القبلية التي أصبحت ملاذا آمنا بفقدان سلطة القانون وضعف مؤسسات الدولة واستشراء الفساد في معظم مفاصلها بغياب مفهوم رفيع للمواطنة، مما يتطلب إحداث تغييرات جوهرية في المناهج التربوية والتعليمية وأساليبها، والفصل الكلي للدين عن السياسة ونظام الدولة وقوانينها، مما يحفظ قدسية الأديان وهيبتها بعيدا عن المناكفات والمنافسات السياسية، ويتيح للنظام السياسي ومؤسساته اختيار أنجع وأحدث التجارب الحضارية للنهوض بالمجتمعات التي نخرتها وخربتها النزعات القبلية والدينية العنصرية والمتطرفة بمختلف أشكالها ومسمياتها.