العالم طفلٌ صغير جائع

محمود صالح شيرواني
Thumbnail

 عندما تندلع حربٌ ما بين طرفين متعاديين في أي بقعة على الكرة الأرضية ، أكبر سخافة وقباحة تبريرية نسمعها من الطرفين هو أنهما يخوضان الحرب من أجل ضمان العيش الكريم للجيل الجديد القادم المتكون من الأطفال تحديدا وهم فلذات الأكباد بالنسبة للكل ، دون أن يحددا شكل ونوعية هذا المستقبل المبني على الدماء وعلى تحكم المنتصر بمصير المهزوم !. وفي الحقيقة وطوال التاريخ البشري الطويل ما أندلعت الحروب إلا وكانوا الأطفال هم أول وأكبر ضحاياها ، سواءٌ كانت الحروب عادلة أم باطلة ، هذا على الرغم من كل الخسائر المادية وحتى الروحية بين الجيوش لا تساوي خسارة الأطفال ضحايا الحروب ... عالمنا اليوم يفتخر بأنه عالم متعولم ( نسبة إلى العولمة ) يعيش جميع سكان المعمورة وهم يتحسسون ويشعرون مشاكل بعضهم بعضا مهما أختلفت مواقعهم الجغرافية وأنتماءاتهم السياسية والأيديولوجية والدينية وهم بذلك يعمقون الصلة الإنسانية فيما بينهم وعلى حد زعمهم . عالمنا اليوم يتباهى بأنه بات بمثابة قرية صغيرة جداً لا تخفى على جميع سكان هذه القرية أية أسرار صغيرة كانت أم كبيرة ، فلذلك معرفة هذه الأسرار تتيح للكل فرصة مشاركة أتخاذات القرارات المصيرية لجميع سكان القرية ، أو هكذا يظنون . وعالمنا اليوم يمدح نفسه بنفسه بقصائد ملحمية وكتب أدبية ومسرحيات فنية وأفلام ومسلسلات وإعلانات ودعايات إعلامية ، لأنه قد وضع ما له من أياد على كل المشاكل التي تصيب وتواجهها البشرية ويعمل جاهداً من أجل ، إن لم يكن القضاء عليها ، التقليل منها . عالمنا اليوم يدّعي أنه سعيد وفرح بتقدمه التقني والتكنولوجي وبالتقدم في كل مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية . عالمنا اليوم يفتخر بأنه قضى على أمراضٍ أو وجد أدوية شافية كافية لأمراضٍ كانوا أجدادنا يموتون بالمئات بل بالآلاف بسببها . عالمنا اليوم يصرخ بأنه أحدث ثورات كبرى في عالمّي الصناعة والزراعة ما كانت العقول لتصدق قيامها قبل قرنين فكانت من باب المعجزات المستحيلات . عالمنا اليوم ينسى قدراته الطبيعية المعقولة البشرية ويدّعي بأنه يتحدى الطبيعة والأكوان بأكتشاف أسرارهما وخرق نواميسهما كي يصنع إنساناً سوبرماناً ، ولكن عالمنا المتباهي هذا رغم كل تقدمه المثير في أكثر من ميدانٍ ، يحملُ وجه طفلٍ جائعٍ مريضٍ فرانكشتاينيٍ ، ولن يستطيع أن يبدل وجهه هذا بعمليات تجميل طبية بالغة الخطورة والتعقيد والتكاليف مهما بلغت درجة الأطباء من مهارة ومهما كان يمتلك عالمنا من أموال في بنوكها الربوية !. نعم ، ملامح وجه عالمنا تتكون من تقارير أممية تقول بأن : 155 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم وقصر القامة ، ويعيش منهم ١٢٢ مليوناً في دول تشهد صراعات ونزاعات ، فيما يعاني 52 مليون طفل من الهزال ونقص الوزن ، ويعاني 41 مليون طفل من السمنة وزيادة الوزن . ربما هناك طرق سهلة وبسيطة لكي يغير عالمنا من وجهه الطفولي القبيح هذا ، ولكنه ما دام يعتقد بأنه جميل وفتان فمن المستحيل أن يشاهد المرآة يوماً ليرى ما فيه من قباحة ودمامة الوجه ، إلا لو غير معتقده هذا .