تناغم الإحتلال والتسوية في التواجد الأجنبي على الأراضي السورية

السوريين باتوا يرحبون باحتلال بلادهم من قبل دول وميليشيات مسلحة
النسخة المصغرة

 رفعت حاجي

تبع وتيرة نمو قوى المعارضة المسلحة في سوريا بعد ثباتٍ تعدت فصول السنة كلها،  ليتحكم فيها داعموها الإقليميون مع العديد من الأجهزة الاستخباراتية المسؤولة عن تشكيل هذه المجموعات، وعلى رأسها المخابرات السورية والإيرانية والتركية جهاراً، وقد عكست هذه المرحلة تجاهلًا محليًا وعالميًا للأزمة السورية، وتنفيذًا للمخططات الاستخباراتية المكونة لبعض منهم، في إلحاقهم بقوات النظام، أو الإبقاء على سيطرتهم داخل تلك البلدات، بعد اعترافهم بشرعية النظام السوري، بدا أن السوريين باتوا يرحبون باحتلال بلادهم من قبل دول وميليشيات مسلحة، ليظهر الانعكاس المباشر للتدخلات الأجنبية ولا سيما العسكرية على واقع الصراع السوري.

هذا الوضع جعل من السوريين ينظرون بشكل متفاوت لهذا الوجود، فنائب وزير الخارجية السورية، فيصل المقداد، يعد  "وجود إيران وحزب الله في سوريا (تدخل في سياق سيادة الجمهورية العربية السورية) على من يكون على ارضها ومن لا يكون"، مردفاً "لذلك هذا الموضوع غير مطروح ولا يمكن ان نسمح لاحد بطرحه، والقوات التي دخلت الى سوريا بدون علم الحكومة السورية تمثل قوات احتلال ".

 وهو موقف يخالف كلياً نظرة فئاةً من معارضي النظام ممن يرون في الأتراك حلفاء لهم في مواجهة نظام الأسد وحلفائه، علماً أنهم  لم يقتبسوا منهم إلا السلب ونهب بنوا أوطانهم.

وبخلاف ما سبق، فإن الموقف من الوجود الأميركي بدا أكثر تعقيداً، فوحدهم الكورد كانوا متحمسين للوجود العسكري الأميركي باعتباره قوة دعمهم السياسي والعسكري في مواجهة الآخرين، دون أن يعترفوا بالمقايضات التي أجرتها مع الأتراك والروس وآخرها الفرنسيين في التضحية بعفرين مقابل تكريس سياستها في المنطقة وعدم إخلائها ليعبث كل من طهران وأنقرة فيها .

ومما لا شك فيه، أن تلك الحيثيات، تجعل من أي مواقف سورية تتناغم مع إحدى قوى الوجود والاحتلال العسكري لأرض سورية، ومما لاشك ان توجّه النظام للاستعانة بحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم اللبنانية والعراقية، دفع دولاً أخرى للبحث عن موطئ قدم على الأرض السورية.

فمنذ أن تولى إيمانويل ماكرون سدة السلطة في بلاد الحريات فرنسا، وهو يرسل رسائل متناقضة، بخصوص ما يدور في الشرق من حروب وإشكالات سياسية واقتصادية، وتصاعدت هذه الرسائل عددًا ونوعًا، قبل الضربة الثلاثية التي نفذتها (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا)، والذي قام قبلها بأيام بإخبار الكرملين عن مجموعة الأهداف، لأجل إخلائها، واستغل كل لقاء صحفي أو فرصة مع وسائل الإعلام، خلال الأيام القليلة التي سبقت تنفيذ الضربة العسكرية، من أجل إرسال رسالة، يُطمئن فيها إيران بأن الضربة لن تطال أهدافًا إيرانية في سورية، ولن يكون الهدف منها إسقاط النظام، حتى بدا وكأنه يستأذن إيران في تنفيذ الضربة العسكرية.

ثم شدّ الرئيس الفرنسي الرحالَ إلى واشنطن، والتقى الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب، في محاوولة لثنيه عن نيّة الانسحاب من الاتفاق النووي .

في محصلة قراءة سريعة لمجمل المواقف والتصريحات الفرنسية؛ يمكننا تلخيص ما سبق، بأنّ فرنسا بقيادة ماكرون تريد استمرار كل شيء على حاله في سورية وإيران، ولكنها في الوقت ذاته لا تريد إغضاب الجانب الأميركي، فهي تريد الإبقاء على الاتفاق النووي، واستمرار الحال في سورية على ما هو عليه، مبررةً ذلك بأنها تدعم الحل السوري – السوري الذي تعترف السفيرة الفرنسية في موسكو باستحالته .

فقد خرجت اللعبة من أيدي المعارضة، ولم يعد هناك سوى تركيا التي تنسق عمليا مع الروس والإيرانيين. ويشير اليه بيان " المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري" الذي يقول بجرأة " ان أية معارضة مرتهنة ليست فقط قاصرة الرؤيا، بل مستعبدة لأسيادها ومضطرة لأن تبرر لها ما لا يُبرر، وان المعارضة الرسمية الممثلة في الهيئة التفاوضية هي تجميع للأضداد والمتناقضات، ومن الصعب أن تخوض أية مفاوضات جدية  "

 

واتضح أن فرنسا من خلال سعيها لهدنة توافق جميع أطراف النزاع المسلح عليها أنها ترغب في القيام بدور رائد في التسوية السورية، بعد أن كان رأي رئيسها " إن أي تدخل ميداني سيكون متهورا وغير واقعي، فقد تعلمنا من النموذجين العراقي والأفغاني أن القضاء على الإرهاب يقتضي حشد عشرات آلاف الرجال، الذين سيقعون في الفخ الذي نصبه لنا الجهاديون الذين يريدون استدراجنا للتدخل في ميدانهم لإغراقنا بالوحل، وإثارة التضامن معهم بادّعاء أنهم تعرضوا لاجتياح".

فهل حقيقةً أن داعش قد إنتهى بنفخة من صافرة الحكم الغربي ليفرغ اللاعبون الملعب ويعودوا أدراجهم، ليطمئن الفرنسي الحَذِر، ويُسْلَم من الفخ  وفتح جسور لعبور الوحل؟؟

 

ما حصل هو أنّ فرنسا حصلت على عقود تجارية مع إيران، دخلت حيّز التنفيذ، فالجانب الفرنسي لديه الموارد الكافية للتأثير في التسوية السورية، فـ "فرنسا لديها ثقافة قديمة راسخة بالتفاوض للتوصل إلى حل وسط، مستلهمة من تراثها في المنطقة والتي ايقظها حلم السلطان الذي يراود القادة الأتراك، لتحيي ذاكرة فرنسا وتنشطها في 26سنة من الإنتداب على سوريا من القرن الماضي، ما يدل على ترميم إتفاقيات تآكلت مع الدهر، في مسعى منها فض حركة الإضرابات الكبيرة التي شلت فرنسا في أول تحد شعبي ونقابي وعمالي جدي لمشاريع ايمانويل ماكرون المثيرة للجدل، كما جاءت بعد صفقات بأكثر من ٢٠ مليار دولار بين فرنسا والسعودية ليصرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بعد العدوان:" إن فرنسا تريد الآن العمل على إعادة اطلاق المسار السياسي لحل الأزمة السورية "في الوقت الذي أثارت عملية عفرين انتقادات دولية وخاصة من الرئيس الفرنسي"، الأمر الذي سارع بالإشارة اليه وزير الدفاع التركي بالقول"بما أن خطر تنظيم الدولة انتهى إلى حد كبير، لم تعد هنالك أرضية مشروعة لتواجد فرنسا، أو أي دولة أخرى، عسكريًا في سوريا،.موضحا أنّ جميع الدول التي تكافح تنظيم الدولة لها وكلاء للحرب عنها، (باستثناء بلاده) على حد قوله...، متناسياً أن الصافرة التي أفرغت الملعب بإمكانها استئناف اللعبة بنفخة أخرى من نفس الصافرة، فاللعبة في سوريا لم تنتهي بعد، إنما المؤشرات تشير إلى أن لا شيء سيحصل عاجلاً، مع أن الجيش الفرنسي بدأ مؤخرا بتعزيز وجوده في المناطق الكوردية وبدعم أمريكي.

 

رفعت حاجي