القصة العراقية الآن...

هل يمكن القول بأن أساليب كتابة القصة القصيرة قد تغيرت؟

هل يمكن القول بأن أساليب كتابة القصة القصيرة قد تغيرت؟ ما طبيعة هذا التغيّر؟ وهل أنّ ما أصابها جعلها تصير بلا حكاية، أو بلا ثيمة واضحة، أم أنه تغيّر مسّ- فقط- تقانات الكتابة، وزوايا النظر، ومعالجة القاص لكلّ الوحدات السردية في القصة؟ هذه الأسئلة تضعنا في صلب مواجهة ما يجري في عالم سرديات القص، على مستوى تمركز هذا السرد قصصيا، او على مستوى وظائفيته في التعاطي مع تحولات ومفارقات، باتت قارة وضاغطة، وباعثة على ضرورات ضاغطة في تغيير لعبة السرد، بما فيها لعبة السرد في اللغة، او لعبة السرد مع التاريخ والسيرة والاعتراف والمثيولوجيا والحكايات..

القصة العراقية  ليست بعيدة عن هذا الاطار النظري التوصيفي، ولا عن الممارسة التي حفزت القصاصين الى الذهاب نحو الكتابة الروائية، بوصفها فضاء مفتوحا للسرد، ولتشكلاته المتعددة، أو توهيما بفكرة المغامرة الجمالية التعبيرية، أو بوصفها نوعا من الثأر مع التاريخ، فالسلطة تكره الرواية، وتميل الى القصة التي كثيرا ما تكون غائمة، وموجزة، وان الفعل الحكائي والاشهاري فيها محدود، فلا أثر لها على تغيير ولاءات الجمهور، وعلى منافسة التاريخ الذي تصنعه حكايات وسرديات السلطة دائما..

فن القصّ من أكثر الفنون السردية عرضة للتحوّل في منظوره، وفي تمثلاته اللغوية الشعرية، وفي مرجياتها الاستعارية، والتشكيلية في سياقها الخبري والتصويري والسيميائي، وحتى في انفتاحه على الفنون الأخرى، وعلى تقاناتها، بوصف أنّ القصة هي(شكل متخصص، له طرئق فنية خاصة، واقرب الى الشعر) هذا ما قالته نادين كورديمر، من حيث حساسيتها في صناعة اللقطة/ الجملة السريعة، وفي صياغة المفارقة، أو من حيث توظيفها للرمز، أو في تمثيل لعبة القص المتحولة..

وهذا مايجعلها أكثر قدرة على امتلاك طاقة الايحاء، والتركيز، والجزالة، والتعبير السينمائي السريع، وحساسية الذات الساردة ازاء ما هو توصيفي، وما هو استعاري في التعاطي مع الفكرة، الثيمة، الموضوع، وإزاء التواصل في لعبة التخيّل، وفي توظيف الحيل النسقية.مهارة القاص تكمن في السخرية من التاريخ، وفي التطاول على الحكاية عبر اختصارها، أو عبر احالتها الى مجال سيميائي او رمزي، وعبر كسر ايقاعية الزمن فيها، من خلال صياغة مايمكن تسميه بزمن المجال، وهو زمن لغوي، افتراضي، استعاري، مخادع، وهو ما ورد في اراء ادغار الن بو، والذي كان يشير الى أنّ نجاح القاص يكمن في حيازته الاصالة والبراعة والتركيز، ولمسة الخيال..

الذهاب الى كتابة هذه القصة لا يمكن إلّا أنْ تكون مغامرة، ازاء تاريخ كبير ومتراكم من القص، على المستوى الواقعي الفني في الخمسينات، وعلى المستوى التجريبي في الستينات، وعلى المستوى الفنطازي والسحري في السبعينات، وهو مايعني دفع لعبة القص الى مايشبه القطيعة السردية مع تاريخ القصة في واقعيتها، حيث بات القصاصون أكثر انخراطا في التجريب، والتي ابتدأ بها القاصون جمعة اللامي وجليل القيسي وسركون بولص ومحمد خضير، الى حيث مجاورة ما طرحه ادور الخراط بتسميته لهذا النوع من القص بالكتابة غير النوعية، تلك التي تمسّ التجنيس، والوظائف، والبنى، وكسر التوقّع، وصولا الى الاجيال الجديدة من القصاصين، والذين عادوا الى مهنة (الحكواتي) حيث وجدوا في الواقع أفقا للفنطازيا، وفي الحياة كثيرا من الاغتراب..

الحكاية الجديدة قد تصلح كدالة تمثيلية لقصص ضياء الجبيلي، إذ تنشغل بتصميم المشهد السردي عبر المفارقة، لتحقيق حالة الادهاش وكسر افق التوقع، وعبر ما ترصده أو تسردنه عين الكاميرا لتحفيز طاقة الدراما المشهدية، في شحن الحدث، وفي اثراء دلالته، فضلا عن ماترصده عين الحكواتي الذي يعرف اسرار المدينة، وذاكرتها النفسية والدينية والطقوسية والمثيولوجية، وهذا ماجعل تلك القصص تنطوي على استعارات واشارات يحتشد فيها الفنطازي والغرائبي والطقوسي والشعبوي.

القصة بوصفها خطابا..
هذه العنونة هي احالة الى توصيف تداولي للقص، إذ تبدو القصص الجديدة وكأنها تمارس وظيفة السرد، بوصفه خطابا، في مقاربته البنائية، التداولية، وفي قصد الايهام والمخاتلة، وفي ترميم الفجوات التي تتركها عادة كتابة التاريخ، والقص الواقعي، فبقدر ما أن القصة/ الخطاب هي تطبيق لساني، إلا انها فعل يتعالق مع ذات راوية/ ساردة، وربما هي في توصيف غريماس بأنها( اجراء سيميوطيقي يتمظهر كمجموعة من الممارسات الخطابية التي تعبر عنها اصوات، رموز، اشارات) في قصص ضياء الجبيلي (لا طواحين هواء في البصرة) نقترح محاولة للنظر الى مفهوم القصة الآن، إذ تنفتح قصصه على المنطقة المجاورة للرواية، حيث الحكي والذاكرة والشخصيات، وحيث يدرك أن لعبة القص هي وجه آخر للعبة المغايرة، إذ ينخرط القاص في سردنة تلك المغايرة/ المفارقة، مثلما ينخرط في لعبة معاينة الواقع، والحفر في سطوحه وذاكرته، حيث تواجه القصص عالما قد تغيّر بالكامل، وماعادت للقصاص سوى اللغة، فهي مجاله، وقاموسه، وبيت استعاراته، وهي ايضا لعبته في المراقبة، والترقب، والتحوّل، فضلا عن كونه وسيلته في تدوين هزائم الانسان، وحروبه وخساراته وفجائعه، عبر اصوات الضحايا، من القتلى، والأمهات والحبيبات المخذولات. القاص يكتب لنا سرديات ما بعد الحرب، حيث الضحية التي تتكلم، ولتواجه الواقع عبر الوظيفة الرئيسة للقاص/ السارد، كنوعٍ ضدي لسرديات مابعد الكولنيالية، والتي فرضت نوعا من تدوال الخطاب القائم على فعل التابع الذي يتكلم ويفضح ويُعرّي..

القصص فيها روح المرارة والوجع والفقد، مثلما يمارس القاص لعبته من خلال وظيفة الكاتب المتوجس، والمسكون بحدس المترقب، والمنخرط في وحدات سردية، لها موضوعها الأكثر أثرة للقاص، وهو ثيمة الفقد، والغياب والاختفاء والخيانة، والضعف الانساني والموت، والتي تلتقط شفراتها من الشخصية المُستلبة، ومن واقع المدينة المتحول والمنتهَك والمتناقض، ومن الذاكرة، ومن ارشيف الحرب، واليوميات، ومن عوالم الفقد الذي تعيشه النساء والامهات، وعبر لغة استفزازية، قاسية، محشوة بالألم، وفي مناخ يستدعي الجانب الخطابي، حيث تداول شفرات ورموز تلك الثيمات، وحيث الصور وتقاناتها التي يختلط فيها الفنطازي الغرائبي مع الواقعي السحري..زمن القصِّ هو زمن الضحية، وما القاص-هنا- الّا حامل الكاميرا ذاته، والتي يقوم بوظيفة رصد حركة الضحية، ورصد ما يتبدى من عوالم وتشوهات تلك الشخصية الأضحوية المفتتة، وهي تقف في منتصف الالم، لتقصّ لنا يوميات حزنها، وخرابها، وفقدها، والمها، وتحولها، وفجائع ذاكرتها الممسوسة بسيرة الحرب والخوف والهجرات.

راميار فارس ...kurdistan t v

دراسة عن القصة العراقية للكاتب علي حسن الفواز/ البينة الجديدة