وتجري الرياح بما لايشتهيه أردوغان                                   

يتضح التباين بين الموقفين التركي والأمريكي في الأزمة السورية
Thumbnail

بعد أداءه البارع بناصية الإرهاب المتدفق  وتصديره عبر حاضنات اردوداعشية، ولتصدي أية خطوة كوردية أصبح من اللزام التصرف بالطفيليات التي أنهشت كاهله، استغل أردوغان وضع المعارضة المسلوبة الإرادة ، لتوظيفها في تحقيق أهدافه التي تتالى فشلها سابقاً، فتحرك بادي الأمر الى مساومة الروس بهم، ثم بإتخاذ بعض فصائلها المسلحة كعناصر تحت الطلب خارج حديقة منزلها، دون أن يرفضوا له أمراً ، ليس وفاءً للخبز الذي استقوى عودهم ، بل لحفظ ماء الوجه بعد الإرتماء في حضنه وتحذير القاصي والداني لهم، بدأوا باكتساب مهنتهم الجديدة إفتاءً لما أقدموا عليه .

 

تحولوا من لاجئين سياسيين إلى رهائن مسلوبي الإرادة، لم يجرؤا على الإصغاء حتى لنداءات الإستغاثة من الغوطة وغيرها والتي بلغت عنان السماء وفشلت في حقنها مجلس الأمن، متسترين بالضوء الأخضر الروسي، وطاب لهم السيران الذي أخذوا فيها ذووهم بالحافلات الخضر لينزل بهم الرحال في إدلب.

حال ائتلاف وطني سياسي لا يرى مشكلة في إجتياح عسكري تركي لأراضيه السورية فقط لإرضاء السلطان ، حيث أيقظ الاخير ليستكمل بنداءٍ لواشنطن قائلا: "أزيلوا أعلامكم الموجودة في قواعد المنظمة الإرهابية حتى لا نضطر إلى تسليمها لكم".

هنا بدأ السلطان يمدح ذيله المزركش بصفعته العثمانية (اتفاقية آستانا) مع كل من إيران وروسيا، مستقوىً بالمعارضة التي يرعاها، وقبلوا أن يكونوا له جنوداً لغزو بلادهم وتشريد العزّل من شعبهم وسرقتهم ، بعد أن كانوا دعاةً  لكرامة الشعب السوري وحريته بدأوا بتمهيد الطريق للغزات .

أما ممارسات الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، بالتعاون مع شركائها ( الكورد)، فبدأت جليّة أنها  تتعارض بشكل مباشر مع المصالح الروسية في سوريا، ذلك  لإرساء الاستقرار في سوريا، وسط أوهام السلطان بأن عملية عفرين العسكرية ستجد دعما وتأييدا شعبيا واسعا.


يتضح التباين بين الموقفين التركي والأمريكي في الأزمة السورية، في التوتر المتصاعد في علاقات البلدين، قد تمهد لصدام عسكري مرتقب بين تركيا والولايات المتحدة في سوريا، في ظل عدم استجابة أمريكا لتحذيرات تركيا الأخيرة التي تسير بالعلاقات بين الجانبين نحو التدهور.

لكن الصدام لن تكون مباشراً بل  بواسطة حلفاء كل طرف على الأراضي السورية، مستبعدا أن يكون تزويد الولايات المتحدة بالدعم للقوات الكوردية تنصبّ لمواجهة الخطوات التركية، بينما تدخلت في عفرين غير آبهة بأمريكا  سواءً قبلت أم رفضت، مرجحا أن تتخلى الولايات المتحدة عن القوات التي تدعمها في لحظة ما ( كما هو معتاد في السياسة الامريكية)، ويكون صدام الجيش التركي مع القوات الكوردية.

في هذه الأثناء بدأ السلطان بتطعيم تصريحاته بالصفعة العثمانية محذراً واشنطن من الضغوط السياسية التي تمارس على أنقرة، بهدف ضرب إسفين بالتحالف التركي-الروسي ، والمتجسد في مناقشة أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس الأمريكي، تنفيذ عقوبات محتملة ضد تركيا، عبر عنها جاويش أوغلو، بأن «بلاده تفضّل عدم إقدامهم على ذلك،  لافتاً إلى أنه «في حال أرادت الولايات المتحدة معاقبة أنقرة بفرض عقوبات ضدها، فإن تركيا ودول أخرى مثل روسيا سترد على هذا الإجراء»، مستدركاً بالقول «على الولايات المتحدة ألا تهددنا، فنحن حليفان في الناتو».

حقاً لن تفرط الولايات المتحدة بعلاقاتها مع تركيا القوية، والعضو في حلف الناتو، فالخطوة الأمريكية موجهة إلى موسكو أكثر منها إلى أنقرة، لتبقي علاقتها رهينة ردود فعل حليفتها موسكو أيضا، ذات النظرة الإستراتيجية البعيدة الرؤية، وكما راهنوا على اقناع الكورد في النهاية باقتراحهم الذي رفضوه بداية، سيتحقق ذلك كما يبدو( تسليم عفرين للنظام في دمشق).

وكانت روسيا قد صنفت القرار الأمريكي الجديد على أنه محاولة جديدة لإفشال المسار السياسي الذي تعتزم موسكو إطلاقه بعد سوتشي، حيث تتعامل واشنطن مع المناطق السورية على مجرى الفرات  أنها باتت بمنزلة المحمية الأمريكية ، في خطوة أمريكية واضحة لمحاصصة سوريا، الأمر الذي قال عنه  الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطيّة، رياض درار، أن «هناك مؤامرة على سوريا جميعها رسمتها آستانة، وهي الآن تنفذ»،  مضيفاً « الأمريكيين لم يكونوا ضمن خطة الدفاع عن منطقة عفرين، ونحن كنا نراهن أن الحليف الروسي في عفرين هو حليف حقيقي، لكنه خذلنا، أما الأمريكان فحافظوا على المناطق التي تواجدوا فيها ».


فالعملية العسكرية التركية في عفرين لم تحقق أھدافھا حتى الآن، وبدل أن تتجه إلى الحسم، فإنها تتجه إلى مزيد من التعقيد في ظل اشتباك وتداخل الصراعات والمصالح الإقليمية والدولية، فتركيا التي هاجمت المنطقة على اساس ( كورديتها) باتت في مأزق لا يمكنھا التقدم إلى الأمام، بعدما تعثرت عمليتھا العسكرية بعقبات سياسية وميدانية، ولا يمكنھا التراجع إلى الوراء، لأن أي خطوة من ھذا القبيل ستكون بمثابة انسحاب من الملف السوري الحدودي وھزيمة سياسية لأردوغان، ما يؤكد أن العملية ليست اجتياحا تقليديا، والمعركة المقبلة ستكون معركة على الصعيد السياسي، تخطط  فيها لعزل عفرين، تمهيدا لتسوية تحمل في معطياتها الكثير من التداخلات الاقليمية والدولية، سيكون لنتائجها تأثير جمّاً على مجريات الأزمة السورية برمتها.