عازف الشبّال في فرقة مولوي الموسيقية!
«كلا النشيدين من كلمات نوري وشتي ومن ألحاني!»
يقضي سنوات طويلة في المنفى، بعيداً عن وطنه ومسقط رأسه، كما ترك الاغتراب والتشرّد، بقدر تقدّم عمره، تأثيراً فيه، لكن علينا أن نشكر الخالق لأنه ما يزال على قيد الحياة؛ إنه الفنان الفريد من نوعه في (فرقة مولوي الموسيقية) في دورتها الأولى.
كان ذات يوم هذا الفنان الوسيم، الأنيق، البشوش، العذب اللسان (نجاتي عبده) و(فرقة مولوي الموسيقية) اسماً لامعاً في عالم فن الصوت والموسيقى والغناء الكردي في مدينة السليمانية وكردستان.
خلال حياته الفنية، كُتب القليل جداً عن حياته الاجتماعية والفنية أو أُجريت معه مقابلات! ومن الجدير بالثناء أن (أكراد يوتوبوري) أجروا معه في عام (2012) مقابلة تحدث فيها عن بدايات حياته الفنية والاجتماعية، ونُشرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
الفنان نجات أمين عبده معروف بين الناس والأوساط الفنية باسم (نجاتي عبده).
نسأل عن اسم (عبده): هل أصبح لقباً لاحقاً لاسمه، أم أنه اسم والده؟
ولتوضيح هذا الاسم، تواصلت مع السيد دلير، نجل الفنان، في دولة (السويد)، فأشار إلى ذلك قائلاً:
«حسب علمي وما سمعته من والدي، عندما وُلد جدي كان مقرراً أولاً أن يكون اسمه (عبد الرحمن)، لكنهم كانوا دائماً ينادونه عبده، وظلوا ينادونه بهذا الاسم، فأصبح هذا الاسم اسمه الرسمي وسُجّل باسم عبده، وعُرفت عائلتنا باسم عبده».
وُلد الفنان نجاتي عبده أمين في (14/10/1936) في مدينة السليمانية، وأكمل دراسته الابتدائية فيها، ووصل في دراسته إلى الصف الثالث المتوسط، لكنه بسبب انخراطه في العمل السياسي وعضويته في (اتحاد طلبة كردستان) التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، اعتقله نظام تلك الفترة، وحكمت عليه المحكمة بالسجن (6) أشهر، كما فرضت عليه عقوبة أخرى تقضي بإبعاده عن المدرسة مدة (5) سنوات وحرمانه من حق الدراسة؛ وبذلك حُرم من التعليم ولم يعد مسموحاً له بمواصلة دراسته في أي مدرسة أخرى بمدينة السليمانية.
بعد ذلك، ومن أجل تأمين معيشته، توجّه الفنان إلى بلدية السليمانية بغرض التعيين كي يجد عملاً، فعُيّن موظفاً في شعبة الرسم التابعة للقسم الهندسي في البلدية. وفي هذا العمل أيضاً لُفّقت له تهمة ممارسة العمل السياسي، فسُجن عدة مرات ثم أُطلق سراحه.
تحولت كل عمليات اعتقال الفنان نجاتي عبده وسجنه في مدينة السليمانية إلى عبارة ساخرة شائعة على ألسنة الناس، فكان الشخص الذي ينجو من مشكلة يستخدمها ويقول: «نجوت، مثل نجاتي عبده..؟!»
نجاتي عبده وتأسيس فرقة مولوي الموسيقية
من الواضح للجميع أن فرقة مولوي الموسيقية تأسست عام (1955) بجهود ونضال عدد من الفنانين الحريصين على فن الموسيقى والصوت والغناء، وكانت تحولاً مهماً في فن الموسيقى والغناء الكردي آنذاك. ورغم أن هؤلاء الفنانين كانوا قد عملوا معاً من قبل، فإنهم لم يكونوا ضمن مظلة فرقة موسيقية، إلى أن عاد الفنان (قادر ديلان) نهائياً من بغداد إلى مدينة السليمانية عام (1955)، فأسسوا فرقة مولوي.
يروي الفنان نجاتي عبده بداياته الفنية على النحو الآتي:
«بدأت عزف الموسيقى منذ خمسينيات القرن الماضي، وعلّمت نفسي عزف آلتي (الناي والشبّال)، وكنت أعزف يومياً وحدي بضع ساعات في المنزل، وكنت أحب العزف كثيراً. بعد سنوات سمعت أن هناك شاباً اسمه (قادر ديلان) يعزف الكلارينيت، وكانت بيننا معرفة بسيطة، فتواصلت معه وقلت له: ألا تعلمني المقامات، ولماذا لا نكون أول من يكسر تقليد تأسيس فرقة في تاريخ هذه المدينة لخدمة الموسيقى الكردية؟
فأجابني قائلاً: منذ وقت طويل وأنا أبحث عن شخص مثلك ليساعدني في عمل مقدس كهذا، لأن لديّ بعض الأصدقاء الآخرين الذين يعزفون العود والكمان، ولديهم هم أيضاً الرغبة في تأسيس فرقة. وبعد مدة عقدنا عدة اجتماعات وبدأنا التدريبات. وخلال تلك الفترة علّمني الراحل (قادر ديلان)، الذي كان في زمانه مرآة سامية للفن، عدة مقامات، وتمكنت من إتقانها ونلت رضاه. ثم بعد ذلك، وبحماس لا ينتهي، كنا نشارك في مناسبات أعياد نوروز والذكريات الوطنية، حتى ذاع اسمنا بين الجماهير، وكانوا يكنّون لنا الكثير من الاحترام والتقدير. وبعد أن أُخرج الراحل (قادر ديلان) من كلية الاقتصاد في بغداد بسبب انشغاله بالعمل السياسي وعاد إلى السليمانية، اتصل بي وبأصدقائي وأبلغنا أنه لا يستطيع العودة إلى بغداد مرة أخرى، ولذلك ينبغي أن نطوّر فرقة (مولوي) الموسيقية. ثم عقدنا اجتماعاً مع أصدقائه الفنانين، مثل الراحلين (بهجت رشيد سعاتجي، حاتم سعيد، وكذلك هادي عنبر وأوميد مدحت مبارك)، وبمساعدة عدد آخر من الشخصيات التي كان شغفها بالموسيقى مثل شغفه، كأنها صُهرت في أتون الحدادة» (1).
أبرز الفنانين عند تأسيس فرقة مولوي الموسيقية:
(قادر ديلان: 24/5/1928 – 18/3/1999، عازف الكمان والكلارينيت).
(وليام يوحنا: 1934 – 14/9/2005، عازف العود والكمان).
(بهجت رشيد سعاتجي: 1927 – 12/7/1998، عازف العود والكمان).
(هادي عنبر: 1933 – 5/5/2007، عازف العود والكمان).
(نجاتي عبده: عازف الشبّال «الناي»).
(عثمان صابونجي: 1931 – 16/6/1971، عازف العود ومغنٍ).
(حاتم سعيد، المعروف بحاتم الأسود: 1936 – 7/1/2011، عازف الطبل – الإيقاع).
(عبد الرحمن قدري: عازف العود).
(سردار رمزي فتاح: عازف الكمان).
(الدكتور أوميد مدحت مبارك: 5/6/1939، عازف الكمان).
كما كان هؤلاء الأشخاص معاونين ومساعدين لفرقة مولوي الموسيقية، مثل: (حمه فرج معروف، المعروف بخاله حمه فرج: 1938 – 12/2/2008) (ج،د) كان مذيعاً ومقدماً للبرامج؛ (عمر مجيد خلف، المعروف بعمر هلمت: 1934 – 14/12/2020) التسجيل وهندسة الصوت وتنظيم مكان الآلات الموسيقية والميكروفونات؛ (نوري بدوي) كان مساعد السيد عمر هلمت؛ وكذلك (السيد نوري وشتي: 1935 – 12/5/2001) الأعمال المسرحية (2).
يبدو أن المعلم والفنان والكاتب (باكوري: 5/11/1928 – 2/11/2022) ذكر فقط أسماء أولئك الفنانين المحبوبين، لكن مصدراً آخر أشار إلى اسم الفنان (حازم حداد: 1925 بغداد – 17/5/2012 عمّان، عازف العود) و(قادر كردي: عازف الدف)، اللذين كانا معاونين وعضوين في فرقة مولوي الموسيقية (3).
اجتمع هؤلاء الفنانون في البداية تحت مظلة فرقة موسيقية، وكان هدفهم أن يطلقوا على الفرقة اسم (ديلان)، لكن الفنان (قادر ديلان) لم يرض بهذا الاسم وقرر الانسحاب من تلك المجموعة الموسيقية، ومن هذا المنطلق يقول الراحل قادر ديلان: «في البداية أطلقوا على الفرقة اسم (ديلان)، ولم أوافق، وقلت لأعضاء فرقتي: إن لم تغيّروا الاسم فسأنسحب، ثم جعلناها فرقة مولوي» (4).
ومن اللافت والمثير للتساؤل: لماذا سُمّيت تلك الفرقة باسم الشاعر الكردي الكبير (مولوي: 1806 – 1882)؟
يقول الفنان العازف والملحن (نجاتي عبده) في مقابلة أجراها ملحق صحيفة (العراق) الصادرة بالكردية في بغداد: «اجتمعنا عدة مرات بشأن تسمية الفرقة، وفي أحد الأيام جاء السيد حمه فرج معروف وقال: وجدت اسماً جميلاً جداً، (فرقة مولوي الموسيقية) قريبة من روح (مولوي) العظيم، لأن قصائده عذبة وجميلة جداً ومقاطعها مليئة بالموسيقى، فتم اعتماد الاسم» (5).
لم تكن فرقة مولوي الموسيقية قد حصلت بعد على إجازة رسمية للفرقة، وكانت تمارس عملها الفني وتقيم حفلاتها في مدينة السليمانية من دون إجازة. ومع ذلك لم يكن لها أي مكان أو مقر رسمي تتمكن فيه بحرية من إجراء تدريباتها وأنشطتها الفنية، فلم يكن أمامها سوى المنازل، مثل منزلي الفنانين (قادر ديلان ووليام يوحنا)، وأحياناً كانت تتدرب في غرفة إحدى مدارس مدينة السليمانية.
متى وكيف حصلت فرقة مولوي الموسيقية على الإجازة الرسمية؟
كتب المعلم والفنان باكوري: «في عام (1957) تأسست جمعية الفنون الجميلة في السليمانية، وقدم السيد نجاتي عبده ووليام يوحنا وقادر ديلان طلباً للحصول على الإجازة. وفي يوم (19/6/1957) مُنحوا رسمياً إجازة العمل، ثم عُيّنت الفرقة بكل أعضائها في الجمعية وانضموا إليها» (6).
وبشأن الحصول على الإجازة الرسمية لفرقة مولوي الموسيقية، يقول لنا الفنان نجاتي عبده:
«قدمنا طلباً رسمياً لتأسيس الفرقة، لكي يُسمح لها بالعمل من دون أن يتمكن أحد من وضع العراقيل أمامها، فأُرسل طلبنا عبر متصرف السليمانية آنذاك إلى بغداد. وفي ذلك الوقت كان (سعيد قزاز: 1904 السليمانية – 20/9/1959) وزيراً للداخلية، وعندما عُرض طلبنا عليه قال فوراً ومن دون تردد: جيد جداً، ولكي لا ينشغل أولئك الشبان من السليمانية كثيراً بالعمل والنشاط السياسي، دعوهم ينشغلون بالموسيقى، وامنحوهم الإجازة ليؤسسوا تلك الفرقة. كان ذلك الوزير يجهل أن هدفنا الأساسي كان الدفع بالعمل السياسي، لكن تحت ستار الفن.
بعد ذلك أسسنا رسمياً فرقة (مولوي) الموسيقية، وبدأنا تقديم حفلات الموسيقى والغناء، وكان الجمهور يقدم دعماً جيداً لأعمالنا، ولا سيما أهالي السليمانية، الأمر الذي جعل الفرقة تنمو وتتقدم أكثر وينتشر الذوق الفني» (7).
واصل الفنان نجاتي عبده مع زملائه الفنانين في فرقة مولوي الموسيقية أعمالهم وأنشطتهم الفنية، واجتذبوا حولهم جمهوراً كبيراً؛ كما جمعوا عدداً من الفنانين وأصحاب الأصوات الجميلة من داخل مدينة السليمانية وخارجها، وأسعدوا قلوب الجماهير بحفلاتهم ورفعوا أهداف الفن السامية والأكثر قداسة. ومن الفنانين الذين شاركوا مع فرقة مولوي الموسيقية في الحفلات والمناسبات:
(رشول: 1912 – 14/7/1974)، (حمه بكر: 1926 – 14/2/1999)، (شمال صائب: 1931 – 7/11/1986)، (حسن زيرك: 29/11/1921 – 26/6/1972)، (حمه صالح ديلان: 1927 – 28/10/1990)، (باكوري: 1928 – 2/11/2022)، (سيوه: 1891 – 9/12/1963)، (طاهر توفيق: 1922 – 20/10/1987)، (خليلي صديقي: 1930 – 1970)، (فؤاد أحمد: 1932 – 17/8/2004)، (رسول كردي: 1922 – 17/10/1994)، (إبراهيم محمد، المعروف بإبراهيمي الخياط: 1931 – 3/5/2005)، (قادري حاجي حسين: 1921 – 6/9/1984)، (عمر رضا: 1942 – 7/8/2021)، (رفيق جالاك: 1923 – 30/11/1973)، (جمال جلال: 1942 – 21/8/2016) و(فرجي حاجي رشيد: 1922 – 1981).
حفلات ومناسبات فرقة مولوي الموسيقية الوطنية والقومية
الحفلات والأنشطة الفنية التي شارك فيها شبّال الفنان نجاتي عبده وإحساسه وأنامله:
حفلة المدارس، مدرسة كويژه للبنين في تاريخ (4/12/1955).
حفلة متوسطة السليمانية بمناسبة افتتاح معرض صناعي في تاريخ (20/8/1956). شارك في تلك الحفلة الفنانان (حسن زيرك وأحمدي شيخالي: 1929 – 6/12/2005) وعدد آخر من فناني مدينة السليمانية، وقد التقط صورة الحفلة المصور المقتدر (رفيق محمود محمد، المعروف برفيق المصور: 1932 – 8/9/2020)، وأصبحت اليوم أرشيفاً قيّماً لخزانة فن الموسيقى والغناء.
وعن تلك الحفلة، يقول الفنان قادر ديلان في مقابلة:
«كانت أجمل حفلات حسن زيرك عام 1956 (معرض صناعي) في مدرسة السليمانية الثانوية. وبهذه المناسبة أنشأنا مسرحية في الجهة الأخرى من مبنى مدرسة السليمانية الثانوية، إذ جلبوا للمرة الأولى تلفزيوناً مؤقتاً من السليمانية إلى منطقة المعرض. وإلى جانب فناني فرقة مولوي، كان هؤلاء الفنانون معنا أيضاً، مثل: شمال صائب، إبراهيم محمد، قادري حاجي حسين، حمه بكر، كريم كابان وحسن زيرك. وهناك غنى حسن زيرك للمرة الأولى في حياته تلك الأغنية، وبعد أسبوع واحد أصبحت على ألسنة كل كردي في السليمانية، وكانت الأغنية هي (أي وي زارا)، وأصبحت على أفواه الجميع» (8).
في نهاية كل شهر كانوا يقيمون حفلاً لضيوف نادي الموظفين في نادي الموظفين.
حفلة لجمع التبرعات للمتضررين من كارثة زلزال (بنجوين)؛ وتنظيم حفلات في المستشفيات لرفع معنويات المرضى ونفسياتهم.
وكذلك في الكارثة المأساوية التي وقعت في يوم (18/10/1957)، يوم قيام فيضان مدينة السليمانية، جعلت فرقة مولوي الموسيقية الفن جسراً بين المدن والبلدات، وقدمت عرضاً مسرحياً بعنوان (الرذيل والفيضان) من كتابة وإعداد الفنان (قادر ديلان)، إلى جانب الغناء والموسيقى بهدف جمع التبرعات، وبمساعدة الفنانين المغنين (حمه صالح ديلان ورشول وعثمان صابونجي)، وأقامت حفلة في مدينة السليمانية. ثم توجهت إلى مدينة أربيل في (13/11/1957)، وأقامت حفلات مدة ثلاثة أيام بمساعدة الفنانين (رسول كردي، مشكو: 1928 – 15/5/1989، وحيدر بقال: 1915 – 4/12/1979). بعد ذلك توجهت فرقة مولوي الموسيقية إلى مدينة حاجي قادر كويە في تاريخ (15/11/1957)، وفي كويە أيضاً، إلى جانب فناني السليمانية، شارك الفنانان (سيوه وباكوري) في إقامة الحفلة. وقد خصصت هذه الفرقة المخلصة والحريصة الإيرادات التي حصلت عليها من الحفلات للمتضررين من فيضان مدينة السليمانية؛ ولذلك كانت دائماً تسعى إلى جمع المال لإسعاد الفقراء والمتضررين والطلاب محدودي الدخل، ولم يكن جمع تلك التبرعات لجيوبهم ومصالحهم الخاصة، بل كانت تلك الخصلة الجميلة المفعمة بالإنسانية سمة جميع أعضاء فرقة مولوي الموسيقية، وكان للفنان قادر ديلان الدور الرئيسي فيها.
أدت فرقة مولوي الموسيقية دوراً جيداً في تطوير فن الموسيقى والغناء والنهوض به في ذلك العصر، وواصلت أعمالها الفنية وأقامت حفلات أخرى عديدة في مدينة السليمانية وحلبجة.
حفلة نادي الموظفين بمناسبة عودة الراحل (بارزاني الخالد: 1903 – 1/3/1979) عام (1958) وزيارته مدينة السليمانية.
يستعيد الفنان العازف نجاتي عبده ذكريات الحفلة التي أقامتها فرقة مولوي الموسيقية في نادي موظفي السليمانية بمناسبة عودة بارزاني الخالد، قائلاً:
«كنت أحد الفنانين الذين استقبلوا بفخر الزعيم الخالد (مصطفى بارزاني) ورفاقه بعد عودته من روسيا إلى العراق. أتذكر أننا أقمنا حفلاً كبيراً في نادي موظفي السليمانية، وكان بارزاني الخالد سعيداً جداً لأن الشباب الكردي استطاع تقديم كل تلك الأناشيد الجميلة والثورية في سبيل أرضه وشعبه» (9).
إقامة حفلة بمناسبة عيد العمال في (1/5/1959)، بمشاركة الفنانين صاحبي الصوت الجميل (حمه صالح ديلان وقادري حاجي حسين).
إقامة حفلة في نادي موظفي حلبجة عام (1959). فقدّم الفنان المسرحي (رؤوف يحيى: 1924 – 1987) مع عدد من الفنانين عرضاً مسرحياً بعنوان (تاجر البندقية) في حلبجة، وبعد انتهاء العرض المسرحي أقام فنانو فرقة مولوي الموسيقية في تلك الليلة حفلة لجمهور مدينة حلبجة.
بمناسبة افتتاح فرع وزارة الإرشاد في مدينة السليمانية في (25/12/1960).
في عام (1961) أنجزوا أعمالاً وأنشطة فنية عديدة داخل السليمانية وخارجها، منها تسجيل عدد من الأناشيد في منزل الفنان (حاتم الأسود) في حي القزازين، بناءً على طلب قيادة ثورة أيلول. وكانت الأناشيد هي: «سلام على الحزب الديمقراطي الكردي»، و«أمي العزيزة، أرجوك كفى بكاءً»؛ وكلا النشيدين من كلمات (نوري وشتي: 1935 – 2001) وألحان الفنان (نجاتي عبده)، وكذلك نشيدا «نحن البيشمركة» و«إنه عيد، عيد كردستان، عيد نوروز».
وفي العام نفسه (1961) أقاموا حفلة في جمعية الفنون الجميلة الكردية بمدينة كويە بمساعدة الفنان (سيوه).
في تاريخ (23/11/1961) أقامت فرقة مولوي الموسيقية حفلة بمناسبة افتتاح (سد دربندخان)، وكان (عبد الكريم قاسم: 1914 – 9/2/1963) حاضراً في تلك المراسم والحفلة، وقد غنى (15 فتى و15 فتاة) من الشبان والفتيات المرحين في جوقة نشيد «عبد الكريم بطل». وكان الفنانون المشاركون في تلك الحفلة: (حنا بطرس، سمكو عزيز، نجاتي عبده، حاتم الأسود، هادي عنبر، قادر كردي، قادر ديلان، رفيق جالاك، حازم حداد ووليام يوحنا).
في تاريخ (7/4/1963)، وبمناسبة عيد نوروز، أقاموا حفلة في قاعة (خلود) بمدينة بغداد، بمشاركة فنانين مغنين كان أبرزهم الفنان الشعبي (طاهر توفيق).
كان نجاتي عبده معروفاً بوصفه عازف شبّال مقتدراً، محباً للشراب، مشعل مجالس الأصدقاء، وحساساً ودوداً في فرقة مولوي الموسيقية. وإلى جانب موهبته في العزف على آلة الشبّال داخل فرقة مولوي الموسيقية، كان رئيس لجنة الغناء والموسيقى، كما تمثل جانب فني آخر من الفنان في التلحين، لكن لم يُشر إلى هذا المجال كما ينبغي، ولم يُذكر حتى الآن أنه لحن قصيدتين للفنان والأديب والحريص على الفن (نوري وشتي)، غُنّيتا كنشيدين وبُثّتا عبر إذاعة الثورة. ولمزيد من المعلومات، أعتمد على قول الفنان نفسه عن كيفية تلحينه لهذين النشيدين. يقول لنا الفنان، وهو يستعيد صفحات ذكرياته:
«بعد اندلاع الثورة الكبرى للشعب الكردي، ثم الانتصارات التي حققتها تلك الثورة في جميع المجالات، وصلتني ذات يوم رسالة من الراحل (سيدا صالح يوسفي: 1918 – 25/6/1981)، وقد وصلتني عن طريق أخي الراحل (رفيق)، الذي كان آنذاك بيشمركة في منطقة آويكورتي. وجاء في الرسالة: الأخ العزيز السيد نجاتي عبده، بعد أن تمكنا من العثور على محطة إذاعية، نريد أن نفتتح بث المحطة ببضعة أناشيد جديدة، وسنسعد كثيراً إذا وصلت إلينا تلك الأناشيد في أسرع وقت.
فاتصلت بالسيدين (نوري وشتي) و(جلال عزيز: 1928 – 19/4/2008)، وأخبرتهما أنني تلقيت رسالة كهذه من المكتب السياسي. فقال الأديب والوطني الكردي (نوري وشتي) من دون تردد: أستطيع أن أعطيك كلمات، وأنت تلحنها. وبعد ثلاثة أيام أحضر لي قصيدتين وقال: تفضل، أرني ماذا ستفعل؟ عندما قرأت القصيدتين أعجبتاني كثيراً، لأنهما كانتا مفعمتين بروح ثورة أيلول الكبرى في ذلك الوقت.
تقول الأولى:
«سلام على الحزب الديمقراطي الكردي
ذلك الحزب الذي رفع راية الثورة...»إلخ.
وتقول الثانية:
«أمي العزيزة، أرجوك كفى بكاءً
كفى آهاً وتأوهاً، كفى تمزيقاً للصدور
ها قد قُتل كردي، وأنا مكانه
أقسم ألا أترك الكفاح عيني لا تعرف النوم
حتى أرى هزيمة العدو
ويرفع الكرد راية النصر»
ثم وضعت لحناً لكليهما، أي إن النشيدين كانا من كلمات نوري وشتي ومن ألحاني. وبعد أن واجهنا مشكلة تسجيل الصوت وتنظيم الجوقة، أبلغنا الحزب أن من الأفضل لمصلحتكم ومصلحة الحزب أن يشارك أقل عدد ممكن من الأشخاص في هذا العمل حتى تبقوا بعيدين عن أنظار العدو. ثم اختير منزل السيد حاتم (حاتم الأسود) لنسجله فيه. وبحضور عدد من أعضاء الحزب، منهم: (جلال عزيز، فريدون دارتاش، نجات محوي، وأنا وحاتم سعيد)، تمكنا بعد بضع ساعات من تسجيل النشيدين، وكان السيد نوري وشتي يسجل بنفسه. ولمنع خروج الصوت، غُطيت جدران تلك الغرفة الصغيرة في منزل السيد حاتم كلها بالبطانيات والأغطية، لأن منزله كان في حي (أصحابە سپي) وسط مدينة السليمانية. وفي النهاية تمكنا من تسجيلهما بشكل جيد وناجح، وفي اليوم التالي أرسلناهما فوراً إلى الخارج عن طريق أخي الذي أحضر الرسالة.
وبعد يومين، كان جميع أهالي كردستان يستمعون إلى النشيدين عبر محطة صوت كردستان. وكان لهما صدى وتأثير كبيران جداً بين الجماهير والبيشمركة، وأصبح ذلك مصدر فخر لي ولأصدقائي عندما كنا نسمعهما، فكانت رؤوسنا ترتفع بهما. لكن للأسف، حتى الآن لا تذكر أي من المحطات التي تبثهما بأي شكل من الأشكال من هما الشاعر والملحن؟ وفي أي ظروف ووقت وُضعا، وبأي مشقة وكيف سُجّلا» (10).
واصل نجاتي عبده وأصدقاؤه الفنانون جهودهم وأنشطتهم الفنية حتى سنحت للفنان قادر ديلان الفرصة، فغادر مدينة السليمانية في تاريخ (24/6/1962) بهدف مواصلة دراسة الموسيقى. وبعد وصوله إلى دولة (التشيك)، التحق في مدينة (براغ) بجامعة (كونسرفاتوار كارلوفو) وواصل دراسة الموسيقى. وللأسف لم تعد فرقة مولوي الموسيقية تلك الشعلة المضيئة كما كانت، فتراجعت أعمالها الفنية وتفرّق أعضاؤها المحبوبون.
وفي عام (1967)، شارك الفنان نجاتي عبده بنفسه وبشبّاله المحبوب في حفلتين منزليتين للفنان حسن زيرك، مع أولئك الفنانين الموسيقيين، مثل:
الحفلة الأولى: منزل محمودي توفيق شلك، مع الفنانين: (أنور قرداخي، حازم حداد، حسني الناي، صلاح رشيد وعزولة الطبل).
الحفلة الثانية: منزل الشيخ رؤوف سيد علي، مع الفنانين: (وليام يوحنا، أنور قرداخي، حاتم الأسود وعباسي الكبابجي) (11).
هنا يطرح سؤال نفسه: بعد خروج الفنان قادر ديلان وانخفاض الأنشطة الفنية لفرقة مولوي الموسيقية، ثم تفرّق فناني تلك الفرقة الشهيرة، تأسست فرقة السليمانية الموسيقية في تاريخ (23/5/1967)، فلماذا، باستثناء المعلم والفنان (وليام يوحنا)، لم ينضم أي من فناني فرقة مولوي الموسيقية إلى فرقة السليمانية الموسيقية لمواصلة مسيرة فن الموسيقى والغناء عبر تلك الفرقة الفنية الجديدة..؟!
بعد تلك الخدمة الجميلة والمشرقة التي قدمها الفنان نجاتي عبده لفن الموسيقى والغناء لشعبه، وبعد سوء أوضاع البلاد، غادر البلاد في أواخر عام (1991) وتوجه إلى الخارج، ومنذ عام (1992) يقيم في دولة (السويد).
وفي عام (1961) تزوج الفنان من السيدة (فريدة شيخ محمد محوي)، وأصبحا والدين لـ(2) من الأبناء، هما (دياري، دلير).
السيد دياري طبيب أسنان ويقيم في بريطانيا، أما السيد دلير فهو مهندس ويعيش قرب والده في السويد.
منذ (34) عاماً يعيش الفنان نجاتي عبده في الاغتراب والمنفى. وللأسف، توفيت زوجته وداعمته ورفيقة دربه ووالدة ابنيه، بعد (63) عاماً من الحياة المشتركة، ففي تاريخ (31/5/2024) فارقت السيدة (فريدة شيخ محمد محوي) الحياة، وتركت زوجها الفنان إلى الأبد؛ الرحمة لروح السيدة فريدة الطاهرة.
أتمنى للفنان الكردي المخضرم وعضو فرقة مولوي الموسيقية «نجاتي عبده» حياة مليئة بالصحة وطول العمر. تحية لتاريخ الفن الرفيع، ولتسعد أرواح جميع الفنانين ذوي الأنامل الذهبية في فرقة مولوي الموسيقية وجميع فناني شعبنا، ولتظل قبورهم مضيئة دائماً، ولتبق ذكراهم عالية ومكرّمة.
جمال عمر (جمالي الحلاق)
المصادر:
(1، 7، 9، 10): أكراد يوتوبوري / السويد، 16/1/2019، موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
(2، 5، 6): كتاب «المغنون الخالدون» – باكوري، الجزء الثاني، الصفحتان (121) و(122).
(3): كتاب «وليام يوحنا: حياته وعمله الفني» – شنه عبد الله محمد، الصفحة (44).
(4): مجلة جريكه جيّا (جلاواز) – العددان (21 و22)، كانون الثاني 2008، الصفحة (28).
(8): صحيفة (السليمانية الجديدة) – العدد (17)، 2/3/2002، جمالي الحلاق؛ قول الفنان (قادر ديلان) في الذكرى (25) لرحيل الفنان حسن زيرك، قناة MED TV الفضائية، عام 1997.
(11): كتاب «أبعاد حسن زيرك: حياته الاجتماعية، صوته وأداؤه، بنية أغانيه» – تأليف وإعداد الفنان عادل حمه كريم، الصفحتان (173 و199).
(*): تواصل عبر ماسنجر مع السيد دلير، نجل الفنان (نجاتي عبده)، يوم السبت (17/10/2026) (السليمانية – السويد) (ج،د).

