الفنان شوكت رشيد (١٩٣٠ – ١٧/٤/١٩٩١)
موسيقي، وملحن، ومغنٍّ، وصاحب نكتة..!
ذلك الفنان الذي واصل حتى آخر أنفاسه خدمة فن الموسيقى والغناء!
إن الشخصيات التي تهب حياتها كلها لشعبها نادرة جداً؛ يواصلون الاحتراق كالشمع، ويكون إشعاع نورهم لمن حولهم، فيما يُحرمون هم منه. الفنان شوكت رشيد واحد من أولئك الفنانين متعددي المواهب، الذين كان مخلصاً ومحباً للخير، ودائماً معطاءً، ومن دون كلل، في خدمة ذلك النهج الذي هو فن الموسيقى والغناء الكردي. وحتى اللحظات الأخيرة من حياته، كان سالكاً دؤوباً ومخلصاً لطريق الفن، بصفته عازفاً، ومغنياً، ومعلماً، وملحناً، ومعدّاً وموزعاً موسيقياً.
الحياة الفنية
كانت الحياة الفنية للفنان شوكت رشيد حافلة بالعمل الفني، والخدمة، والتعليم، والعطاء الفني في مدن كركوك والسليمانية وكوية. ومع أن الفنان نفسه أثبت وجوده بقدراته وأعماله الفنية، فإن اسمه وشخصيته الفنية سيبقيان مكرّمين في ذاكرتنا وفي رحاب الموسيقى والغناء.
حي ملكندي
وهو أحد أقدم أحياء مدينة السليمانية، ومكان ولادة الفنانين (شوكت رشيد، عثمان علي وحمه نيرگز)، كما أنه مكان نشأة وتطور الفنان والمعلم (أنور قرداغي) في مجال الفن.
ولد الفنان (شوكت رشيد عزيز عبد الله حمزة آغا بابان) في عام (١٩٣٠) في حي ملكندي، ضمن أسرة فقيرة محبة للفن، كانت تتألف من (سبع أخوات وأربعة إخوة). وكان أكبر إخوته، وهم (صلاح، أنور، فؤاد وآزاد).
لماذا أقول إنها أسرة محبة للفن؟ لأن والده (رشيد عزيز) كان موظفاً حكومياً، وكان يمتلك ذائقة فنية أيضاً؛ فقد كان عازف شمشال جيداً وماهراً، وكان لديه شمشال جميل ذو لون أصفر، وكلما كان يشعر بالميل والرغبة، كان يعزف على الشمشال لأطفاله(١).
لقد ترك ذلك الإحساس الفني والشغف العذب بعزف شمشال والده أثراً في الأخوين (شوكت وصلاح رشيد). وكان الفنان يركز على عزف والده للشمشال حتى يدرب يديه وأصابعه وصدره الممتلئ بالنفَس على عزفه. أُدخل شوكت رشيد إلى الدراسة في منتصف ثلاثينيات القرن؛ وكان طفلاً بشوشاً ذا ابتسامة مشرقة، ومنذ ذلك الوقت لوحظت لديه القدرة والموهبة الغنائية. وكانوا كثيراً ما يطلبون منه الغناء في صفه وساحة مدرسته؛ وعلى الرغم من أن ذلك كان صعباً عليه في البداية لأنه كان خجولاً، فإنه تخلص من خجله بتشجيع معلميه وأصدقائه، وغنى الأناشيد والأغاني للطلاب ومعلميهم. لم يتجاوز المستوى التعليمي للفنان المرحلة السادسة الابتدائية، وقد أتمها، ثم اتجه إلى العمل وابتعد عن المدرسة والتعليم.
عندما يبلغ الفنان سن (١٨) عاماً، أي في عام (١٩٤٨)، يُستدعى إلى الخدمة العسكرية (ومن الواضح أن الخدمة العسكرية في ذلك الوقت كانت إجبارية)، ويُرسل إلى مدينة كركوك. ويرتدي الزي العسكري، وفي ساحة التدريب يُسأل الجنود عمن لديه تعليم؛ فيكون الفنان واحداً من أولئك الجنود المتعلمين. وبعد فصلهم، يطلب الفنان شوكت رشيد إرساله إلى فرقة (الجوق والموسيقى العسكرية)، لأنه كان يحب الموسيقى ويميل إليها. وتُقبل طلبه، ويصبح أحد أعضاء فرقة الجوق والموسيقى العسكرية، ويواصل التدريب وتعلم آلات موسيقية مثل (الكلارينيت، الناي، الساكسفون، العود، البالبان، الطبل والجومبوش). وتظهر قدرته وموهبته الفنية يوماً بعد يوم؛ فيصبح عضواً نشطاً في الفرقة ويؤدي أعماله بشغف وينجح، حتى يصل إلى رتبة قائد فرقة الجوق والموسيقى العسكرية. ولم يكن الفنان شوكت رشيد أنانياً، بل كان شغوفاً بألا تقتصر تلك التدريبات والمعارف التي اكتسبها على نفسه، ولذلك كان يسعى بحماس إلى تعليم عدد من الأشخاص الموسيقى.
يمكث سنوات كثيرة في مدينة كركوك، ويتعمق أكثر في روح الموسيقى، ويكتسب خبرة جيدة في آلات (الكلارينيت، الجومبوش والعود)، ويصبح عازفاً مشهوراً في مدينتي كركوك والسليمانية.
ويظهر فناناً عازفاً موهوباً، وكانت لديه موهبة غنائية منذ طفولته، فيتوجه إلى إذاعة الكردية في بغداد بهدف تسجيل الأغاني. ويشير الكاتب والمذيع المتمكن (كمال رؤوف محمد ١٧/١/١٩٤٢ – ٣٠/٩/٢٠١٨) إلى أول يوم لتسجيل الأغاني في الإذاعة ويقول: «للمرة الأولى بث أغنية في الإذاعة الكردية ببغداد يوم السبت (١/٢/١٩٥٨)». وبحسب المعلومات التي دوّنها المعلم والفنان (باقوري ٥/١١/١٩٢٨ – ٢/١١/٢٠٢٢)، يقول: «كانت أول أغنية بعنوان (عيناك الأسمرتان تخطفان القلب)، ثم بعد ١٤ من تموز ١٩٥٨ ظهر في حفلات السليمانية وكركوك وبغداد عازفاً للكلارينيت ومغنياً»(٢).
حين كان الفنان ضمن فرقة الجوق والموسيقى العسكرية ويتدرّب على الآلات الموسيقية، عزّز في الوقت نفسه مستواه الدراسي، إلى أن قرر المشاركة في الامتحان الخارجي. وقد كتب المعلم والفنان والكاتب باكوري: «إن ذكاءه ونشاطه الفني، سواء ضمن جوق كركوك العسكري أو الفرق الموسيقية التي شارك فيها، كانا سبباً في قبوله لدى إدارة معهد الفنون الجميلة في بغداد، لكي يؤدي شاوكت رشيد الامتحان الوزاري بصفته (طالباً خارجياً). وقد أدّى الامتحان وحصل على الشهادة بدرجة امتياز في عام (١٩٦٧ – ١٩٦٨)»(٣).
في العام نفسه الذي حصل فيه على الشهادة، أي (١٩٦٨)، التحق الفنان بتلفزيون كركوك وسجّل أول أغنية له بعنوان (كالي هي ليمو).
تأسست جمعية الفن والأدب الكردية – المركز العام في السليمانية، في عام (١٩٦٩)، ومُنحت إجازة العمل من جانب وزارة الداخلية آنذاك في تاريخ (٣١/١٢/١٩٦٩). وكان هدف هذه الجمعية السعي إلى رفع المستوى العلمي للفنانين وتقريب الموهوبين في الفن والأدب، خدمةً لفن وأدب أصيل على نحو خاص، وفن عالمي على نحو عام. وكانت تتألف من أربعة أقسام رئيسية: (قسم الغناء والموسيقى والرقص؛ قسم التمثيل؛ قسم الأدب؛ قسم الفنون التشكيلية).
كان الفنان شاوكت رشيد أحد أعضاء الهيئة التأسيسية وعضواً فاعلاً في جمعية الفن والأدب الكردية. وقد قدّمت هذه الفرقة أعمالاً كثيرة على المسرح والتلفزيون. وكان أعضاء قسم الغناء والموسيقى والرقص: (شاوكت رشيد، نامدار قەرەداخي، صلاح رشيد، علي حمهڕەزا، حمهسعيد عبدالله، شيركو عادل، هوشیار كمال). وتألف مغنو الفرقة المذكورة من الفنانين: (عثمان علي ١٩٤٤ – ٢١/٦/٢٠٠٥)، (حمهي نێرگز ١٩٤٤ – ٢٣/٩/٢٠١٣)، (صلاح مجيد ٨/٣/١٩٥١)، (إبراهيم سعيد المعروف باسم بلهي سهعه كهڕ ١٩٤٢ – ١/٩/٢٠١٠) وغيرهم.»
وعن بدايات جمعية الفن والأدب الكردية وروح التعاون التي كان يتحلى بها الفنان شاوكت رشيد تجاه محيطه، يقول المعلم والفنان (نامدار قەرەداخي، ١٩٥١ حلبجة):
«كان رئيس الجمعية الفنان الراحل (أحمد دنك گەورە ٦/٦/١٩٣٠ – ٢٢/١٢/٢٠٠٤). وكانت هيئة إدارة الجمعية تضم (نوري وەشتی ١٩٣٥ – ١٢/٥/٢٠٠١)، (طه خليل ١٩٤٠ – ١٧/١١/٢٠١٠)، نوزاد مجيد، شاوكت رشيد، و(جلال كوجەر ١٩٤٣ – ٣/٣/١٩٩٣)، إلى جانب أشخاص آخرين. ثم ابتعد بعضهم؛ فعلى سبيل المثال، الفنان الراحل شاوكت رشيد، لأنه كان موظفاً في فرقة الجوق بكركوك، وكانت له زوجتان أيضاً (بيت في السليمانية وبيت آخر في كركوك)، ولذلك لم يتمكن من البقاء معنا حتى النهاية. لكن لا ينبغي لي أبداً أن أنسى أن الفنانين عموماً، والفنان الراحل شاوكت رشيد خصوصاً، استقبلوني بحفاوة كبيرة وأحسنوا معاملتي وشجعوني؛ وفسحوا لي مكاناً داخل الفرقة ومدّوا لي يد العون. وإلى جانب الجانب الفني، ساعدني الأخ شاوكت من الناحية المعنوية أيضاً، لأنني لم أكن أعرف شيئاً، ومع ذلك أشركوني في تلك الفرقة. أقول دائماً إنني مدين له، كوني شاباً دخلت بنفسي إلى مقر الجمعية وقلت إنني أريد أن أصبح عضواً. في ذلك الوقت كان الأخ شاوكت رئيس الفرقة، فأحسن استقبالي ومعاملتي، وبوجه بشوش وابتسامة وبذلك السلوك الجميل كسر خجلي وقال لي: أخرج كمانك وشارك معنا! وقد شجعني هذا السلوك منه كثيراً على الاستمرار»(٤).
شقّ الفنان شاوكت رشيد، بوصفه ملحناً وعازفاً ومغنياً وموسيقياً وقارئ نوتة، طريقه في درب الفن المقدس، وقدم خدمة لا مثيل لها لفن الموسيقى والغناء لدى شعبه. وقد لحّن لكثير من الفنانين، مثل: (إبراهيم خياط، عثمان علي، حمهي نێرگز، صلاح رشيد، صلاح مجيد، حمه جزا، وكامران عمر). وقد ركّز أعماله الفنية، بوصفه عازفاً ومغنياً ومعدّاً وموزعاً موسيقياً، في عدد من الفرق الموسيقية؛ وكان المذكور عضواً فخرياً في فرقة موسيقى جمعية الفن والأدب الكردية، وفرقة موسيقى بيكهس، وفرقة موسيقى سولاڤ في مدينة كركوك، وكذلك فرقة باواجي كوية.
الفنان شاوكت رشيد وفرقة موسيقى سولاڤ...
الفنان، بفضل الاسم والشهرة اللذين اكتسبهما بوصفه عازفاً موسيقياً موهوباً، وبفضل عمله في مدينة كركوك في الوقت نفسه، أقام صداقات وعلاقات مع فناني تلك المدينة. في عام ١٩٥٨ تأسست (فرقة بيكس الموسيقية) في مدينة كركوك؛ وكان الفنان شوقت رشيد عضواً في الفرقة المذكورة مدة من الزمن، ثم أصبح عضواً في فرقة سلاف الموسيقية. ويقول أحد أصدقاء الفنان القدامى، العازف والشاعر (رمضان زامدار):
«جاء الفنان شوقت رشيد إلى فرقتنا في عام ١٩٦٤، فضممته فوراً عضواً إلى فرقة سلاف الموسيقية. وإلى جانبي وإلى جانب شوقت رشيد، كان معنا أيضاً هؤلاء الفنانون: (عبدالإله محي الدين، صلاح سراج، سردار فتاح، صلاح رشيد، أنور طاهر كويي، حمه رضا وقادر مردان)، ثم أصبح شوقت رشيد رئيساً للفرقة. تعاون الفنان وشارك في فعاليات الفرق الموسيقية في مدن أربيل والسليمانية وكوية، كما كان عضواً ناشطاً في فرقة تلفزيون كركوك الموسيقية»٥.
كان الفنان، إلى جانب موهبته وقدرته على العزف على الآلات الموسيقية وصوته الجميل، من الشخصيات اللبقة، المحبة للنكات، المرحة والدافئة التي أحبها أصدقاؤه ورفاقه. وكانت تلك الصفات سبباً في محبة الجميع له ونظرهم دائماً إلى شوقت رشيد بعين الاحترام والتقدير. في عام ١٩٦٧ شارك عازفاً في عدد من الحفلات المنزلية للفنان الراحل حسن زيرك في مدينة السليمانية، إلى جانب فنانين مثل (ويليام يوحنا، عزولة الطبل، صلاح رشيد شقيقه، حسني الناي)؛ وكانت إحدى تلك الحفلات التي أقامها الفنان حسن زيرك قد نُظمت في منزل الفنان شوقت رشيد نفسه.
يمكننا أيضاً عرض هذه المعلومة، وهي أنه في أوائل ستينيات القرن الماضي، جاء الفنانان الشقيقان (محمد وحسني ماملي) زائرين إلى مدينة السليمانية؛ وبمساعدة الفنانين شوقت رشيد، وصلاح رشيد، وويليام يوحنا، وإبراهيم خياط، سجّلوا شريط كاسيت للفنان محمد ماملي في منزل (غريبة قلاو).
بعد بيان ١١ الصادر في آذار ١٩٧٠، تهيأت أجواء مناسبة لعالم الأدب والفن، وبدأ النشاط الفني (الغناء والموسيقى والمسرح) بالازدهار. وكان الفنان شوقت رشيد، بوصفه عازفاً ماهراً ونشطاً ومفعماً بالطاقة، يقيم، إلى جانب فناني فرقة باواجي كوية، عدة حفلات في مدينتي كوية والسليمانية؛ منها احتفال عيد نوروز الوطني ١٩٧٠ في نادي موظفي السليمانية، وكذلك في التواريخ ١٩/٧/١٩٧٠ في نادي موظفي كوية.
ومن جانب جمعية الفن والأدب الكردية – المركز العام في السليمانية، دُعي بعض فناني فرقة باواجي كوية الموسيقية إلى مدينة السليمانية؛ وعلى مدى ١٠ عشرة أيام، في قاعة إعدادية السليمانية للبنات، أقام فنانو جمعية الفن والأدب الكردية وباواجي حفلات في ١٣/٩/١٩٧٠. وكان الفنان شوقت رشيد أحد الأعضاء البارزين بين الفرق الموسيقية، إلى جانب الفنانين: (نامدار قرداغي، جان توماس جانو، ظهير محمد، أنور طاهر «ملا أنور»، وريا أحمد، سردار أحمد، هارووت بالانغيان، صلاح رشيد).
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبجهود ونضال الفنان شوقت رشيد وبعض عازفي مدينة كركوك، أسسوا فرقة موسيقية باسم (فرقة تلفزيون كركوك الموسيقية). وقد أشرف شوقت رشيد على تلك الفرقة، وكان عبرها يقدم الكثير من المساعدة للفنانين الذين كانوا يسجلون أعمالهم الفنية في التلفزيون.
بإشراف الفنان شوقت رشيد، قدموا في ملعب مدينة السليمانية احتفالاً موسيقياً وغنائياً بمناسبة (اليوم العالمي للطفل) في عام ١٩٧١.
في تاريخ (٢٥/٢/١٩٧٤)، يقدّم فنانو فرقة الفن والأدب الكردية – المركز العام في السليمانية، في قاعة (خلد) بمدينة بغداد، أوبريت (العروس والعريس)؛ بإخراج الفنان (طه خليل)، والموسيقى من جانب الفنانين (شوكت رشيد وهوشیار أحمد المعروف بوشە بابە). ويحصلون في ذلك المهرجان على المرتبة الأولى على مستوى العراق.
يُعدّ الفنان شوكت رشيد في جنوب كردستان ثاني عازف كردي وأفضل وأمهر عازف على آلة (الكلارينيت) بعد الفنان (قادر ديلان ١٩٢٨ السليمانية – ١٨/٣/١٩٩٩ التشيك)؛ فقد أضاف ربع نغمة إلى آلته الكلارينيت وحوّلها من العزف الغربي إلى الشرقي.
إلى جانب كل تلك المواهب الفنية التي امتلكها، كانت لديه موهبة أخرى في الغناء، إذ كان صاحب عدد من الأغاني، منها: (عينك الكحيلة تأسر القلب، يا كحيلة يا ليمونة، منذ وقت طويل وأنا أنتظر، آه لشهريار، العيد عيد الفرح، كم هي جميلة، من يقول إن التوبة في المقهى، أيا وأويا، أفدي عينيك الكحيلتين، نشيد نوروز ونشيد بارزاني الخالد). وكانت لديه أيضاً قدرة على اكتشاف الأصوات؛ فكان يستقطب أصحاب الأصوات العذبة والجميلة لكي يخطوا خطواتهم إلى عالم الفن والموسيقى والغناء.
في عام (١٩٨٣)، كان الفنان شوكت رشيد يقدم في تلفزيون كركوك برنامجاً من إعداده وتقديمه بعنوان (أصحاب الأمنيات). وكان يدعو من خلال ذلك البرنامج الشباب والفتيان ذوي الأصوات الجميلة من الكرد، كي لا يخفوا مواهبهم الغنائية وقدراتهم الفنية، بل يظهروها ويقدموا خدمة لفن أمتهم. وكان الفنان يحاور أولئك الشباب والفتيان بوجه بشوش ويشجعهم أكثر. وفي ذلك الوقت، كان برنامج أصحاب الأمنيات أحد البرامج الجذابة والممتعة في تلفزيون كركوك؛ فمثلما كان المشاهدون يستمتعون بفن الغناء لدى أولئك الموهوبين، كان حديث شوكت رشيد الممتع وأسلوبه الودود سبباً إضافياً لجذب مشاهدي البرنامج.
مهما كُتب عن حياة هذا الفنان الخالد والمخلص، فسيظل قليلاً، لأنه كرّس حياته كلها للفن الحقيقي لأمته. وبعد البحث والتعمق في تلك الحياة الحافلة بالعطاء الفني للفنان شوكت رشيد وإخلاصه لفن أمته بلا كلل، يتضح أنه كان دائماً منشغلاً بتطوير فن شعبه، وكان يريد تعليم الشباب والفتيان الكرد العزف على الآلات الموسيقية. ومن خلال شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وقعت عيناي على ذكرى لشقيق الفنان (كوردە صابر) يقول:
«تعرض الفنان شوكت رشيد في عام (١٩٧٨) لحادث مروري، وكان يمشي بعكاز؛ وفي ظل تلك الحالة الصحية غير المستقرة، جاء إلى مدينة السليمانية، وبجهده ومساعيه شكّل فرقة للموسيقى الهوائية، كانت تتألف من (٢٢) أعضاء». وهذا يثبت أن هذا الفنان، حتى في أصعب حالاته الصحية، ظل منشغلاً بفن أمته وفنانيها.
في عام (١٩٨٤)، بُثّت أغنيتان عبر شاشة تلفزيون كركوك، وسرعان ما أصبحتا موضوعاً للحديث وجذبتا انتباه الناس، وصارتا على ألسنة المستمعين والسامعين: أغنية (العهد – نحن روح واحدة) من كلمات (الشاعر رضا حەمە) وألحان الفنان (إبراهيم خياط ١٩٣١ – ٣/٥/٢٠٠٥)، وأغنية (ربيع عمري) من كلمات (الشيخ حسيب القره داغي ١٩٢٩ – ٩/١/١٩٩٧) وألحان الفنان (صلاح رشيد ١٩٤٢ حلبجة – ١٣/٣/٢٠٢٦ كندا). وقد عُرفت هاتان الأغنيتان، بعد سنوات عديدة، بأنهما من أجمل وأعمق وأعذب ألحان ومنتجات العصر الذهبي. وفي ما يتعلق بكيفية تسجيل هاتين الأغنيتين، ما الدور الذي أدّاه الفنان شوكت رشيد؟
يروي لنا الفنان صلاح رشيد شقيقه:
«كان ذلك في عام ١٩٨٤، اتصل بي ذات يوم الأخ شوقت وقال: يا أخي إبراهيم، اصطحب معك أيضاً الأخ إبراهيم خيات، فقد حصلت لكما على موافقة لتسجيل أغنية. ذهبنا مع الأخ إبراهيم إلى كركوك؛ فوزّع الأخ شوقت موسيقى أغنية (ربيع عمري) في ليلة ويوم، فيما سجّل الأخ إبراهيم أغنية (نحن روح واحدة في جسدين). سجّلنا كلانا أغنيتينا في يوم واحد؛ وقد حققت أغنيتا كل واحد منا شهرة واسعة جداً على مستوى كردستان، وانبهر بهما الناس كثيراً»(٦).
بغرض إحياء ذكرى واستذكار الحياة الفنية للفنان شوقت رشيد، وبعد بحث طويل عن المصادر، حاولت في بعض الأحيان، عبر الاتصالات الهاتفية أو وسائل التواصل الاجتماعي، الحصول على آراء الكتّاب والفنانين والشعراء بشأن ذلك الفنان، لأعرف رؤيتهم إليه. ولهذا الغرض لجأت إلى الشاعر الجميل مرهف الإحساس (الشاعر حمه عزيزي) في كندا. وقال عن شوقت رشيد متعدد المواهب:
«كان الفنان الراحل الأخ (شوقت رشيد) عازفاً بارزاً ومبدعاً على آلة (الكلارينيت)، وإلى جانب عزفه كان ملحناً ومغنياً أيضاً. وخلال مسيرته الفنية، كان يحمل شغفاً مخلصاً وحباً صافياً للنهوض بأصالة الأغنية الكردية وتحديثها في العصر الذي عاش فيه الأخ (شوقت). إن هذا الفنان يحمل من هذه الصفات أكثر بكثير، ويستحق التقدير والاحترام، لكن، للأسف، شأنه شأن مئات الجنود المجهولين في ميدان الأدب والفن، تلاشى اسمه وذكراه ومستوى فنه الرفيع، ودُفن تحت تراب النسيان والغفلة»(٧).
ويتحدث الأستاذ والفنان (نامدار قرداغي)، بحكم أنه عاش فترة طويلة مع أستاذه وأنجزا أعمالاً فنية معاً، عن عدد من الصفات الأخرى للفنان شوقت رشيد:
«يمتلك الأخ شوقت رشيد تاريخاً حافلاً بالمجد من جوانب فنية واجتماعية كثيرة. كان عازفاً موسيقياً موهوباً؛ وهو أحد أمهر عازفي آلة الكلارينيت. وإلى جانب الكلارينيت، حاول أيضاً تعلم العود والجمبوش وبعض الآلات الأخرى. وإلى جانب العزف، كان ملحناً جيداً؛ فجميع الأغاني التي غناها كانت من ألحانه، كما لحّن كثيراً من الأغاني لفنانين آخرين. فضلاً عن ذلك، كان موزعاً موسيقياً جيداً وموهوباً، وإلى جانب هذه الصفات كان مشرفاً جيداً أيضاً. وكان كذلك مؤسساً لعدد من الفرق الموسيقية، مثل: فرقة الفن والأدب الكردي، وفرقة موسيقى السولاف في ستينيات القرن الماضي (وكان عضواً فاعلاً فيها)، كما كان مؤسس فرقة موسيقى تلفزيون كركوك؛ ومهما تحدثنا عنه، فسيظل حديثنا قليلاً»(٨).
وكما أشرنا، كان الفنان شخصية بشوشة، لطيفة الحديث ولبقة. وأود أن أكتب إحدى حكايات الفنان شوقت رشيد ومواقفه الطريفة، التي رواها الأستاذ (هيوي مدحتي كبابجي) في شارع كاني إسكان:
«كان الفنان شوقت رشيد، طيّب الله ذكراه، يأتي إليّ كثيراً لتناول الكباب. وفي أحد الأيام جاء وطلب الكباب، فقلت له: يا أخ شوقت، هل أضع لك الثوم مع الكباب؟ فأجابني بوجه بشوش وابتسامة: أنا أعزف على الزرنة، فاخلطه لي كي آكل الثوم وأعزف على الزرنة!».
أُحيل الفنان شوقت رشيد إلى التقاعد في عام ١٩٨٩ بعد سنوات عدة من الخدمة، لكن وجدانه ووعيه ظلا منصرفين إلى خدمة فن الموسيقى والغناء.
في حياته الاجتماعية، تزوج الفنان مرتين؛ فكان له منزل في كركوك ومنزل في مدينة السليمانية. في عام (١٩٥٧) خطب السيدة (صديقة محي الدين)، وفي عام (١٩٦٠) خطب السيدة (ميسرية أحمد عبد الله). من زواجه الأول رُزق (أربعة أبناء وبنت) بأسماء (سامان، سروت، سوران، سرتيب وسوزان)، ومن زواجه الثاني (ثلاثة أبناء وأربع بنات) بأسماء (سامال، سرفه، سولاف، سيروان، مريوان، سوزناك وسارا)(٩).
وللأسف الشديد، أُصيب الفنان شوكت رشيد في شهر آب من عام (١٩٩٠) بمرض (الجلطة الدماغية)، وكانت آلام مرضه تشتد عليه يوماً بعد يوم.
يقول صديق الفنان القديم، والإعلامي والمذيع القديم في تلفزيون كركوك، (هاشم جباري):
«تعود صداقتي مع الفنان شوكت رشيد إلى بداية عام ١٩٧١؛ وكانت صداقتنا متينة إلى حد وصلت معه إلى الزيارات العائلية، وقد قمنا معاً بعدة نزهات ورحلات إلى بغداد، الحلة، السليمانية، أربيل، شقلاوة وغيرها. وعن طريقه تعرفت إلى عدد من الفنانين. لقد قدم ذلك الفنان خدمة لا تُقدّر للفن الكردي، وربّى عشرات الفنانين في مجال الغناء والموسيقى. وكان يعزف الكلارنيت والجُمبوش والعود ويغني بمفرده في معظم الحفلات الخاصة والمناسبات. خلال انتفاضة (١٩٩١)، وأثناء تحرير مدن وبلدات كردستان، زرت أنا والشهيد (أسعد شيخ بزيني) والكاتب الراحل (محمد عبد الرحمن زنكنة) شوكت، الذي كان مريضاً آنذاك ويمشي متكئاً على عصا؛ وفي ذلك الوقت أُعلن خبر تحرير بلدة مخمور، فقال باكياً: ها هي كركوك أيضاً على وشك أن تتحرر، لكن الموت يشتد عليّ، ولن أرى حرية كركوك».
تدهورت الحالة الصحية للفنان شوكت رشيد، فنقله أبناؤه من مدينة كركوك إلى مدينة السليمانية لغرض العلاج لدى طبيبه الاختصاصي (الدكتور فؤاد بابان). وعندما وصلوا إلى مدخل مدينة السليمانية (مسقط رأسه)، وفي يوم (١٧/٤/١٩٩١)، ودّع إلى الأبد الفن والفنانين وأصدقاءه ورفاقه.
عندما توفي الفنان شوكت رشيد، وانطفأت تلك النجمة الساطعة في سماء الموسيقى واللحن والغناء الكردي، كان شعبنا يعيش في واحدة من أكبر مراحل البؤس والمحن والأزمات؛ فقد كان ذلك هو التهجير الجماعي لملايين أهالي كردستان، أي الكارثة. وفي ذلك الوقت وُوري الفنان الثرى في مقبرة الشيخ محي الدين بمدينة السليمانية، في تراب كردستان المقدس. وتبقى آلاف باقات الزهور على ضريح الفنان المقدس شوكت رشيد، وتظل ذكرياته وذكراه العذبة مرفوعة إلى الأبد وفي ذروة مجدها.
المصادر:
حوار مع الفنان صلاح رشيد (١١/٦/٢٠١٤)، إعداد جلال هانيسي.
كتاب تاريخ إذاعة كردستان بغداد (١٩٣٩ – ١٩٥٨)، تأليف (بابي لالو) كمال رؤوف محمد، المجلد الأول – الجزء الأول، الصفحة (٦٦٠).
كتاب المطربين الخالدين، الشمال، القسم الثاني، الصفحة (١٩٩ و ٢٠٠).
مجلة «جلواز»، حوار مع الفنان نامدار قەرەداخي، إعداد الفنان وريّا أحمد، العدد (٤٧)، كانون الثاني ٢٠١٠.
«في ذكرى رحيل الفنان شوقەت رشيد»، إعداد: ستار جباري، شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك.
موقع وشة، «شوقەت رشيد.. فنان متعدد المواهب في مجال الموسيقى والغناء»، ستار جباري.
اتصال هاتفي مع الفنان والشاعر (حەمە عزيز)، أربيل – كندا.
لقاء مع الفنان (نامدار قەرەداخي)، قناة (خاك)، ١٥/٢/٢٠٢٦.
المصدر نفسه، العدد (٣)، الصفحة (٢٠٠).

